عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
29
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
غفرًا ، دَعُونَا عَنْكُمْ ، وَأَنْتُمْ لَوْ شِئْتُمْ لَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الَملاَئكَةُ . ثُمَّ قَرَأَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } ( 1 ) . وقذ ذكر بعضهم السر في استغفار دواب الأرض للعلماء ، وهو أن العلماء يأمرون الناس بالإحسان إلى المخلوقات كلها ، وبإحسان قتل ما يجوز قتله أو ذبحه من الحيوانات ، فيتعدى نفعهم إلى الحيوانات كلها ، فلذلك يستغفرون لهم . ويظهر فيه معنى آخر وهو أن سائر المخلوقات مطيعة لله ، قانتة له ، مسبحة له غير عصاة الثقلين : الجن والإنس ، فكل الخلق المطيعين لله يحبون أهل طاعته ، فكيف به وهو يعرف الله ويعرف حقوقه وطاعته ؟ فمن كانت هذه صفته ، فإن الله يحبه ويزكيه ويثني عليه ، ويأمر عباده من أهل السماء والأرض وسائر خلقه بمحبته والدعاء له ، وذلك هو صلاتهم عليه ، ويجعل له المودة في قلوب عباده المؤمنين . كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا } ( 2 ) . ولا تختص محبته بالحيوانات ؛ بل تحبه الجمادات أيضاً . كما جاء في تفسير قوله تعالى : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ } ( 3 ) أن السَّماءِ والأَرضَ تَبْكِى عَلَى المُؤْمِنِ إِذَا مَاتَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا . وفي الحديث : " إِنَّ الأَرْضَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ إِذَا دُفِنَ : إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي ، فَسَتَرَى إِذَا صِرْتَ إِلَى بَطْنِى صنيعي " ( 4 ) .
--> ( 1 ) الأحزاب : 41 . ( 2 ) مريم : 96 . ( 3 ) الدخان : 29 . ( 4 ) أخرجه الترمذي ( 2460 ) وقال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .